ليس أسوأ من العجز

لا أدري كيف أحدثك عن حيوان غريب دخل غرفتي مع دخول فصل الشتاء هذا، لقد كانت ليلة مطيرة كنت أهنهنّ فيها أمام النافذة، وأضواء الشارع البيضاء تعبث مع مصباح المكتب الباهت، لقد كان فراؤه الكثيف مبتلًا للغاية، لقد بلل السجّاد، ولكنه كان ينظر إلي بوجل واحترام، كانت عيناه سوداء داكنة مشوبة بتموجات رمادية مرَضيّة نوعًا ما، لقد جلس في الزاوية وبدأ يتظاهر بالنوم، وكأنه يقول: “أهلًا! سأقضي السبات عندك هذه السنة، لن أتحرك ولن أزعجك ستنسين وجودي تمامًا”، حسنًا لقد أجبرني على الموافقة، أشعر أن الموافقة تذوب على رأسي وكأنه يسحقني بكتلته الثقيلة! لقد وافقت، فهو من فصيلة الدببة متوسط الحجم ولونه كلون الجوز المقشّر، لقد كان يشبه الشتاء تمامًا وكأنه أيقونته الرمزية.

لست مستغربة أنه أوفى بوعده بدقة، لم يتحرك ولا حركة، وليته كان يتحرّك! فلا أذكر أنني ارتحت بعمق منذ قدومه إلى هنا، لأكون صادقةً؛ فهو ليس مخيفًا بل يُشعرك بأن مُحاذرتُه نوع من العبث؛ إذن فلم يكن يضايقني ولكنه يشبه عدسة حيوية كبيرة، إنه عين من عيون الوجود المركزية كمنت في حياتي الخاصة، كان مغمض العينين وكأن عينيه -على ما أذكر- مصابتان بالرَمد، ولكن – إن صدق احساسي- فإنه ليس مفتقرًا إلى هاتين العينين الصغيرتين؛ بل هو كرة عين كبيرة تفسخّت من جفنها وخرجت من محجرها وتدحرجت إلي من غابة استرالية لتستقر في غرفتي، أدركُ أن لها عملًا كبيرًا معي، ومهما كنتُ قويةً وفتّاكة ولدي مخالب السيوف وأسنان المقصلة فلم أكن لألوّحَ بها لهذا الكائن؛ لا يمكن التحامق أمامه ولو لمرة واحدة.

لقد كانت الدموع تتقاطر داخل صدري مثل كهف تحت الأرض يتقاطر الماء من سقفه، تسمع صوت الماء ملحًا ولا يمكنك أن تُشعر به أحدًا، لم أستطع أن أدمع ولو قليلًا وهذه العين الكبيرة التي تُغمّضُ عينيها التافهتين أمامي تستوعبني وتستدركني بشره لا نهائي، ما عدت أكتب الرسائل، لقد خيبتُ ظنون الكثيرين، لقد أخلفت وعودي، وعلى خساسة هذا الفعل فإنه بدا لي مسوَّغًا في سياقي هذا، فقد كان الخطأ يؤلمني بعمق وكأنني مهددةٌ بخسارة الغدد الدمعية، أو بخسارة أي أثر من آثار الشعور، وهذا يرعبني، لست في مزاج جيد لشرح هذا، وأقول بين حين وآخر: “لم أعد أحتمل أية أخطاء!” لكن أنفاس هذا الدب الخفية تجعلني أعيد التفكير في كل شيء؛ حسنًا، لا تُصدّق كل ما أقول، فأنا سأتحمّل أي شيء قطعًا، لأن السوء لا يحدث إلا على شيء يضاهيه في الوجود والقوة، ولو كان المرض، ولو كان الموت! أليس كذلك؟ لا زال يتنفّس بعمق مطرّد تردد فيّ هذه المرة مؤيدًا لما قلته.

إن قلبي يتردد كثيرًا، ويردد بعض الأفكار بتكرار محكم، التفكير يجرحني بحدّ ذاته الفضيّة، لقد كانت أنفاس الدب تعطي إشارات مختلفة رغم أنها لم تختلف أبدًا، بل هي مستمرة بإيقاع واحد رتيب مطردّ، ولكن كنت أفهمها بأحوالي المختلفة كتنبيهات، كتوجيهات، كتربيتات، كلوم قاسٍ، وأبخرة خانقة! يا للإلهام!

صرت عجوزًا فجأة، وبحماس مراهقة، ظننت أن الشتاء لن ينتهي ما لم أعرف سري الذي جذب إلي هذا الدب، وعندما يأتي طارئ الصدفة أفهم أن الشيطان يحاول مساعدتي، وبما أنني أؤمن بحكمة الله فقد لعنتُه وتعوّذتُ بالله منه. إن لي أصابع بائسة كانت تحب الاستهتار بي كلما أردت الكتابة إلى نفسي، حتى أنني لا أذكر أنني فكرت بما كتبته حقًا، فأجدني أضحك معها أيضًا وكأنني أقرأ شيئًا توجّه إلي للتو، ليس سخريةً، بل استظرافٌ لكل تجربتي، في العام الماضي أذكر أنني كنت سأموت من الحزن بسبب أمر ظننته شرًا محضًا، كان وجهه غريبًا جدًا وداكنًا مظلمًا، لكنه فتح فمه الضخم في وجهي فجأة، لقد كان كبيرًا ككهف لا يشبه أي كهف رأيته في التلفاز، وكان بلعومه يتدلى في وجهي كخفاش يحدق بي بعينين صفراوين ضاحكة! لقد كان يهزأ بي بخبث! لم يكن خلف ذلك الخفاش معدة جهنمية ولا موت ولا نهاية، لقد رأيت الغابة التي كنت أتمنى الذهاب إليها مع أقراني في باص أكاديمي، ولكن من بلعوم هذه الكارثة رأيت مركز الغابة وسرها ومصدر حياتها الحقيقي الذي لم يحكي الأكاديميون لي عنه شيئًا، كانوا يحبون الغابة ويثرثرون حولها بتكرار مُدوّخ في حين لا يعرفون شيئًا عن حقيقتها. فإذا كنت أنخدعُ بالحزن، وإذا كان الجهل هو من يجلب الحزن فقط فإني سأبحثُ عن علم يبطله، أو أن أفتقد تأثري به -على الأقل لا آخذه بجدية- فما دمتُ جاهلةً فلماذا لا أكون أجهل وأجهل حتى يهرب شبح الحزن مرتاعًا من بلاهتي؟

لست في سياق كئيب ولا كارثة، إني أسمع صوت جرّار يعمل بصوت خانق وكأنه احتضار طويل، لقد أعدت ترتيب كل شيء اليوم، أول شيء يجب أن نفهم بجدية أن الإنسان ضعيف، وأنه يتكيّف ثم يقتدر بإذن الله، وهي السُنّة، ولقد رأيت من يتلذذون بالعجز ويرونه نهاية عظيمة لقصة بحّار عظيم أو آخر معقلٍ لبطل حرب فَصلَ في أكثر من عشرين معركة، الأمر مختلف، فالعجز ليس فضيلة، وليس أنك رأيت الرأس المدبب لنهاية الإمكان، إنه لا ينتهي أبدًا هذا الإمكان مهما راغمته، لا شيء إلا وأضداده التي تُكافئه محيطة به، وهي تتخبطه حتى تطيح به في ليل أو نهار -وقد تكون أنت إحدى هذه الأضداد أو تنبعثُ هي في صالحك – وعندما يكون المرء أعمى فهذه مشكلة بسيطة لا تغير في السنة شيئًا.

إذا كان العجز نهاية الإمكان – وأنا أدرك الفرق بين الإمكان المطلق والإمكان النسبي-، وإذا كنت تعتبر أنك وحدك الفاعل فقط، وأنك مدبّر أمورك الحقيقي، فأنت تدعي أنك رأيت رأس الإمكان ونهايته، ويجب أن نرميك بالعجز، ليس بالعجز الوصفي، وإنما بالعجز الاختياري الخنوع صانع النهايات المريحة الأكثر شاعرية!

لقد تأملتُ أعماق الألم، وظننت وظننت، ولكن الحياة أكثر جدية من انطباع شخصي أو صدمة نفسية، لذا فنحن بحاجة لأصابع مستهترة، وعيون حنونة.

الدُّب! أنا أحبه، فليكن شتاءً أبديًا، وليكن أطول سبات!

تحويل الممكن إلى مستحيل!

لقد طرتُ إلى عالمه أخيرًا، كانت الثانية ليلًا، وكان الشتاء عندهم ضاربًا في الجدية، كان بردانًا كعادته، وتهطل أصابعه بغزارة على الكمبيوتر، كان يكتب بحماس، وكأنه يستبطئ قدراته، يطلق زفرة بين الحين والآخر ويفكر بمرارة وينزل العديد من الاحتمالات المعترضة من شتى الجهات، كان يريد أن يهرب لإحضار مكون أساسي للبحث، ولكنه تحت قبضته ولن يهرب قطعًا، كانت غرفته مظلمة عدا اضاءة صفراء على مكتبه، النوافذ مفتوحة وهو لا يمانع بتحمل أي شيء على أن تبقى مفتوحة ليلامسه النسيم بقوامه المتفاوت، وليتلقى إلهام مصابيح السيارات الهابطة من الجبل، وكثيرًا ما تكون لشبان سعداء يبحثون عن مغامرة، وهو –بلا وعي- لا يفوت مركبة تمر إلا وأرفقها بخاطر مناسب، إن كتابه الواعد يحتاج إلى عمل كثير، وهو لم ينم بعد، ودائمًا ما يسأل نفسه إلى أين يتسرب النوم! لا أصدق أنني أنجو منه فجأة!

كان على حاله حتى حلت الثالثة، وقف بسرعة وأضاء الغرفة الكبيرة وفتح أدراج المكتبة يبحث بين رزم الأوراق، وأخيرًا استخرج بحثًا ضخمًا يتعلق بالحالة البشرية الأصلية كان قد كتبه منذ سنوات، كان قديمًا لدرجة الاحتقار، إن سبب هذه الضخامة هو كثرة الاقتباس ليس إلا، ضحك خفيفًا، ورماه على المنضدة، عاد يفتش ويفتش حتى رنّ المنبه، “أوه تأخرت!”

أذن الفجر وهو يلبس حذاءه إلى المسجد، كان يمشي ببطء، خرج باكرًا لأنه يريد أن يمشي، كان كل شيء يقول له: كل شيء ممكن ولكن المسألة أنك لا تختار ولا تقرر!

بدا منتفخًا قليلًا: علي أن أعثر على حل قبل الظهيرة، يومٌ شارد منذ الآن!

دخل المنزل وهو يتمتم: “رائع لو نمت قليلًا..” لقد هوى في فراشه وضرب في محتوى رأسه مرتِبًا ومقيّمًا، شعر بقلق ورضى مؤقت، في حين أن عينه اليمنى مغمورة في الوسادة جالت عينه اليسرى في الغرفة المظلمة على ضوء الفجر الأزرق اللطيف، كان السقف ينهمر بالظلام، والأرض تتبرّم من الفوضى العابثة فوقها، وهو يشم امتعاضها، ويشعر بتضارب الذرات في الظلام، قال بصوت استطعتُ أن أسمعه: “هذا الهدوء الظاهري ما أكثر ما يمكر بالبشر”. نام عميقًا من الدقيقة الأولى، ثم انتشله صوت رقيق بباب الغرفة: “يا عزوز! إنها السادسة!” أخذ فطوره وخرج. رأى الشمس تمد أناملها إليه بخصوصية تامة، وكان أيضًا يهديها الابتسامة الخصوصية المعهودة، إن الشروق يبدو له طفلًا يفتح عينيه بحذر أمام اليوم الجديد، قال لها بهزل: أنا أعرف، ستعتادين الأمر سريعًا وستكونين جريئة جدًا بعد لحظات، الأمر مسألة تدرج، نضجتُ لدرجة أنني أفكر بالذروة من كل شيء مباشرة، أما أنت فلن تعتادي أبدًا.

لقد بدت له الإشارات باسمة، والناس برآء لدرجة لا تصدق، إن عالمه الذهني يجعله ينظر للواقع باستظراف خالص، إنه يرغب بالبكاء أحيانًا، لكنه لا يجرؤ عليه بعد أن أجرم فيه عندما كان في الخامسة عشرة، لقد استحقر نفسه بعنف خاص وبلحظة خاصة حرمته ترف البكاء زمنًا طويلًا لا تُتوقع نهايته، يبدو أن هذا السبب الرئيس لذكاءه الهزلي.

كانت الشركة تكلفه الكثير من روحه، وروح المؤلف هي أغلى ما يقدمه للكتاب. إنه بارد تقريبًا -على الأقل في الظاهر- انه يتعامل مع الضغوط بمرونة هزلية، إنه يتقن الهزل، يستطيع أن يقدمه بلباقة مذهلة حتى أمام الرئيس، اختلس بعض الوقت ليفكر في الحد بين المادة الطبيعية الحية ونظامها، حتى دخل السكرتير ليزوده بقائمة أعمال الأسبوع، كاد أن يقول له “ما علاقة هذا بالنظام؟”، ولكن لا يمكن قول هذا، كان مضطرًا لتغيير موضوعه في كل لحظة، يقوم بذلك بقوة قلبية مذهلة، قلت في نفسي “أنا لست مثلك بالتأكيد”. إنها الثالثة، لقد انتهى العمل، خرج الموظفون بتهالك عداه هو، كان سعيدًا جدًا وكأنه للتو فُك وثاقه لينطلق إلى مزرعته الخاصة! في طريق العودة الطويل كان يكلم نفسه: لقد ارتقيت مرتقًا صعبًا، كيف حال المرأة الصبور الآن؟ لقد قررت مسبقًا ألا تغضب عليك مهما كان، وإلا فلم يكن صبرها هذا تفاعلًا طبيعيًا بالتأكيد. الأصحاب الذين تركت بحوثهم في الدرج يتوقعون منك إرسال مراجعاتك اليوم أو غدًا–بناءً على كلامك- في حين أنك لم تفعل شيئًا بعد، وعندما حاولت بقراءة أحدها مال عليك فمك واشتبكت جبهتك حتى قلت: ” يا إلهي! هل اعترض انقباضي عنها لهذا الحد!” ثم أغلقتها بالطبع للاحق تلحقه اللواحق، حتى إن إخوة الثلاثاء وإخوة السبت يتقاطر لعابهم عليك، لديهم الكثير ليقولوه لك، لقد وعدت بالكثير وما أنت إلا قليلٌ قليل بالكاد تفي بوعودك لنفسك! أصدقاؤك كُثر، وهم على الشبكة أكثر، يصعب أن يكون المرء خلوقًا إلى هذه الدرجة، ما هذا! أنا مضطر لأكون كريمًا ولو بما ليس عندي! لقد جُبلت على هذا. الفرص محدودة جدًا يا أبا عصام، وأنت تخلط الأمور حتى تفزعك مرارتها، الخلط يجعل الحقيقة لاذعة مثلما نرى وجهًا مريع القبح لا نعرف كيف ننسقه في أذهاننا، صمت لفترة ثم قال: “سأتحرر من كل هذا”، ثم أضربَ سريعًا: “كلا، لن أتولى يوم الزحف!” إنه يكلم نفسه بجدية. برأيي أن هذا الرجل فعل أكثر مما يمكنه فعله، هو لا يريد أن يصدق بأنه متعب، وما الفائدة أصلًا في أن تكون متعبًا؟ أنت لن تتوقف على أية حال.

سيغفو قليلًا قبل الخامسة عصرًا، لكنه قلّب كفه أمام عينيه: “مرحبًا باليد الرائعة! لقد كبرتِ بالفعل! أظن أنك تعبّرين عن شوقك إلى مرطب كريميّ منعش، جفافك يدرُ عاطفتي، سأطلب من المرأة أن تصف لك واحدًا، لا تعبسي رجاءً!” لقد ابتسمت يده فجأة! لن يصدق ذلك أحد.

أكثر الأشياء بشاعة عيون محدقة تنتظر المزيد من الوعود، إنه خائف لأنه سيتصرف بتلقائية لا محالة، لم يعد يبالي بتخييب الظنون، المهم أن لا يكسرها على الباب، وهي ستكتشف الحقيقة بتدريج مناسب.

يوم الجمعة، وها هو يصنع القهوة في منزل أمه، ويضع الكثير من الإشنة التي تذكره بالحالة البشرية الأصلية، إنها طعمُ الأرض بتحوّل طفيف، الأخوات لا يفضلنها، “لا بأس سأقدمها إلى جانب شعار اعلاني جذّاب، سيتجاوزون الأمر كالعادة، سيتركونني أمر بجيوبي الملآى بالأشياء التي يكرهون، الأمر يتعلق باللسان الذكي”، يبتسم بخبث وكأنه انتصر على الأشرار الذين يكتب ضدهم مقالات كشفيّة، إنه ينسى همومه بهذه الطريقة. إنه يضحكني ويحزنني عميقًا!

يوجد أنواع من الأسئلة التي اخترع لها ثقبًا أسود شديد الجذبية، ولو أن أحدهم رأى سؤاله الذي طرحه الآن يتلاشى أمامه عيانًا فإنه لن يستطيع الاعتراض؛ إن الأمر يبدو معقولًا بطريقة ما. ليس الهزل فقط إنها البساطة والإشعار بالعمق، عليك أن تُشعر الجميع بأنك تستحضر المشاكل بدقة وأنك مع هذا لا تغتر بنفسك، سيمنحونك تسليمًا من نوع ما.

صدقًا أنا لا أعرف هذا الرجل، ولكني شعرت أنه في مأزق كبير، أرجو أن يقرأ هذا العبث، فلن يفهمه جيدًا إلا هو.

الهذيان الموجّه.. تطبيق شخصي!

بعد ليلة أرقة هويت نائمة بعد الفجر، وفي منتصف الصباح نبضت بشدة، لم أنم جيدًا بعد، عقلي متعب ومعذب، لقد واصل خلال النوم منازعة العُقد التي شلته في الليلة الماضية.

مستغربة، إن عمودي الفقري متذبذب، لا أستطيع أن أوضح شعوري، لكني أيقنت بأن الجدران تستدعيني، نظرت إليها ماذا تريد؟ تذكرت، فكرة الجدار العظيمة التي تقول: لكي تتيقن من سلامتك عليك أن تختبر قدرتك على التوجه إلى الفراغ والحيطان وتأملها طويلًا بلا قلق أو ملل، لتتأكد من غياب ذلك الباعث المجنون الذي لا يدعك تهدأ أبدًا، بل يخيرك بين أمرين: إما أن تفعل كل شيء معًا وإما ألا تفعل أي شيء. هذا يبرر الموت بكلا خياريه، أنا أمقت هذه الأحوال، لكني أتغلب عليها بالنظر الهائم عبر معانقة الفراغات ومسائلة السخف الذي يطيل إحاطتنا بإحكام، أنا إنسان ألوف يتنعم بصفته في حين يبغضها أيضًا، سأنظر إلى الحياة من فوق دولاب أو من تحت سرير، سأختبئ من القسوة تحت مكتبي، ولن أكشر عن أنيابي لأطردها كالعادة. أنا كثير من الحيوانات، السمكة –أولًا- والذئب والوعل والهدهد، هذه أعرفها كثيرًا، ولكن هذه المرة أريد أن أكون فرس نهر كبير، لو كنت سأشبّه الأرض بأحد حيواناتها فسيكون فرس النهر، انه يبدو كطين قوي شديد الاتصال بهويته، لدرجة أنه صار حيوانًا بالفعل، وفي الواجهة لديه سِنّان كبيران كحجرين أبيضين متنافرين، ويفتح فكه بقوة وكأنه سيكسره، يطفو على الماء كجزيرة حرة، تأكل منها الطيور، عيناه تبرز من الماء لتواجه العالم بصبر وعمق تنبض له عروقه الحيوانية الشرهة،  أنا لن أفوت هذا، سأدرس هذا الحيوان وأستدعي كوامنه – إن كانت – في داخلي. الأمر يرتبط بشدة باستشعار المسؤولية، أنا أحملها كلها حتى إذا وصلت إلى مصرفها المصيري وجدها قد تبخرت، العقل هذا الجوهر الغامض ماذا فعل بها؟ انه يستدعي كوامنه النارية في القدرات كما أستدعي حيواناتي في الطباع، كل ما نتعامل معه يتحول إلى ماء عندما نضعه على موقد العقل، الأمر يذكرني بدفتر قديم كتبت فيه مرة ” أنا لم أصل إلى شيء بالضبط” أعتقد أنني أقصد هذه اللحظة.

الطقس الرائع لا يعني شيئًا عندما تشعر بالصداع، ويعني شيئًا عميقًا –لدرجة العمى- عندما تصاب بالغثيان، هذان الشيئان هما كل ما يحدث لي من مصائب، وهناك شيء آخر صغير عندما يصرخ أحد في أذنك فجأة، حتى لو استأذن منك قبل أن يفعلها فستظل مصيبة؛ لأنه يمرر شفرته بحدة في دماغك على أي حال. في مجتمع مهذب لن تتوقع هذه الفعلة إلا من طفل. هذا سيء عندما يراك والدك بابتسامة استخفاف وأنت آخذ بأكتاف الطفل تسوقه إلى الخارج وتطلب منه –بجدية- ألا يعبث بصوته بعنف هكذا.

لدي صداع من نوع خاص، وبافتراض أن لك قلبًا قويًا فإني سأشرح شعوري، عندما يلزمني الصداع فإني أشعر برأسي بين أنياب وحش يصر على نَصفه، يعضّ بقوة لكنه لا ينجح بشيء، يكسر بالقوة لا بالفعل، إنه قابض عليّ ولكنه يبدو مجردًا من كل فاعلية، أثر أنيابه يؤلمني بصيغة صداع خارجي، لكنه لا يمنعني شيئًا. لو كان يسمع لقلت له ولي بلهجة واحدة: ما أعجزك عني وما أعجزني عنك!

كنت أكتب عن حياة هشة، أسلاكها من الحديد، وهي مستمرة إلى ما بعد الموت، الموت سلك حاد عليك أن تتخطاه دون أن تجرح ساقيك، خلف ذلك السلك ينتظرنا الكثير. في هذا الموقف بالضبط أتذكر وجهي، أعظم ما يخفى علي من نفسي، لقد خُلق للناس.. للمواجهة، صحيح أنه تعبيري وليس مُنشئًا، لكنه مثال للظاهرة ومدى علاقتها بالذات الكامنة، سيبقى المنطقة الكبيرة المجهولة عني، قلقي هذا بخصوص اتساق السياسة مع الإعلام، انه اتساق من نوع دقيق محدد بمعيار الذاتية، لكنني لا أستطيع التأكد منه، وهذا جيد؛ لأنه يقطع فرص التبرير أمام النفاق. الآن تفهم أن المرآة لا تفي بشيء من أغراضي. جهلي بوجهي جعلني أجمع كل نعمة وحيلة لنفسي ما عدا ربع الربع تقريبًا جعلتها للواجهة، هذا ليس سيئًا، قد تقتنع بأسلوب أرقى إن قلت لك 97% للسياسة و3% للإعلام. بالتمثيل أكون أقدَر على التحكم بانطباعاتك. تجريد المثال أمر مهم، والحياة كلها أمثلة.

لقد بدأت أفهم ماهية الذات وأنها خطة محددة تبنى من كل مدرك وارد أو صادر بنظام خاص وبصمة فريدة، الله لم يخلق ذواتًا فارغة وكأنها آلات لمزاولة الحياة، أو قوالب فارغة تخضع للحرية الشخصية (المحكومة أصلًا بالذات)، أذكر هنا قول الرسولﷺ “اعملوا فكل ميسر لما خلق له”، أنا أيها الجدار أستطيع قراءتك بوضوح، أنا أيها الفراغ أراني بك، أنا لست شيئًا إلى أن أقضي نحبي لأكتمل تمامًا. لكي تنفعل الذات بنظافة على الواقع فإن عليها العيش بخوف وحذر، لكي تُعمل الخطة بموادها المتوفرة وتحصل قوتك بالفعل. لا أعلم إذا كنت تفهمني، ولكن هذا ما أسميه “الهذيان الموجّه”، هل تستطيع أن تطلق العنان لحالك حتى تنطقه الجدران والفراغات؟

الرسّام الشاب.. لوحة بقالب قصصي

ذلك الشاب الهادئ له وجه آس وقلب زجاجي، ساقاه مترددة في مقابلة المارة، وفمه بارد تتخله ابتسامة دافئة. كان كثير الشرود يبذل جهدًا مضاعفًا في محادثة الناس، لقد كان يركض هذه المرة خلف طفلة في الثامنة، لقد جرت به نحو أمها العبوس لعله يستطيع التفاهم معها بشأن موهبة ابنتها في الرسم، هذا الشاب رسّام بالفطرة، محاكٍ بارع، وقارئ نافذ للغوامض التي لا يراها إلا القلة، هذا الشاب قضى ليلة كاملة في النظر الحائر والتوليف الأسيف، كان يسلّم على كل منظر فينفعل بنفسه غير أنه لا يفوز بشرف النطق به. رأيته مرة وهو يبكي سرًا فوق صخرة كذئب مفجوع، كان له أنين ساخن بليغ التكيّف، غمرتُ كتفيه بنظرة وعته واحتوته، ثم انسللت سريعًا عندما استشعر مبادرة عيني ودَفِءَ بها، انه دقيق الشعور وهو لا يفهم تمامًا هذه الموهبة الاجتلائية الشرسة. لحقته مرة إلى أحد أصحابه، ظننته سيفضي إليه بسره أو يُلمح به بلا ريب، اختبئت جيدًا لأسمعه، لكن صديقه كان مركزًا في الاستحواذ على الرسام ليقنعه بعرض تنمويّ رائع تزدهر به البلدة، لكن الرسام كان يقابله بتبسم الطفل عندما يحدثه الكبار بأمورهم بجدية، كان هذا الصديق آخر أمل في اختراق هذا الشاعر، أعتقد أنه لا يكلم أحدًا بشيء يخل بسريته وحياته القلقة.

لقد يئست من اختراقه، أما فضولي حوله فلم يزل حادًا.

خرجت مرة وأنا أرتدي قميصًا باهت اللون أزرق، وبنطال شامواه بني ومعطفًا خمريًا ثقيلًا، أنا لي شعر كستنائي، وعينان خضروان، ولحية خفيفة توشح وجهي بهيبة الرجال وهمومهم، كنت مستعجلًا أريد بلوغ مكتب البريد لأبعث برسالة هامة، وعندما أوصلتها، رجعت بخطى متهاوية إلى المركز، أتيته هذه المرة من الباحة الخلفية المهملة، لقد رأيت رجلًا خلف المبنى منهمكًا في الرسم، بقطعيّة، أردتُ أن أرى لوحة تزامن إنشائها مع ضمور قلبي قبل أن أنخرط في عملي، لقد اقتربت من غير تفكير، صرت خلف الرسام مباشرة، لكن عيناي كانت تلتزم الأرض لسبب ما، قلت: “سيدي الرسام، أريد أن اجتلي لوحتك بعيون متعطشة ترضي غرورك وتلبي رغبتي العبثية..” التفت الرسام فاستوعبني بذهول لا أذكره ثم قال: “بالتأكيد تفضل! “

كانت اللوحة تمثل رجلاً يستند إلى هذا المبنى الذي أعمل فيه، من خلف المبنى من الباحة الخلفية كان مشبك اليدين حول ركبة قدمه المرفوعة، وهو يصوب النظر في الأفق بعيون خضراء لامعة، كان له وجه حنون يشيح بفضول مخذول، وله لحية خفيفة تنمّ عن التبرؤ والخلوص، وله شعر كستنائي مطال بالعبث، وقميصه الأزرق الباهت يُتيه العين وينبئ بحزن الرجل المكتوم بكل حيلة، عليه معطف خمري ثقيل يحمي ظهره ويعوض فقر زينته، كان متلبسًا بالهرب من هذا المبنى عديم الأنفاس، تلامسه أشعة الشمس من خلف أشجار الدردار الكبيرة. لقد مرر الرسام يده بعنف على أوتار قلبي، فانبعث لحن حاد هادئ تتابع للكمون في أرجاء الموقف وأركانه. قال الرسام الشاب: “أنا آسف، لم أتعمد تجسيدك بهذه الحال التي حلت بك!” قلت: “هل رأيتني من قبل؟” قال: “لا، ولكن يبدو أنني استجلبتك واجتذبتك وأوقعتك بشر مخيلتي”.
قلت: “كلا، إنما اقتنصتني بلطف واستنزعتني بدقة ونطقتني ببراعة. في الحقيقة لقد كنت أعرفك بأسئلة عديدة نصّبّتها حولك، لكنها الآن تتحلل واحدًا تلو الآخر”.

لقد فهمت الآن أنه من الخطأ استفزاز شاعر كهذا، لو كان لديك شيء حوله فعليك أن تبادره بالحلول قبل أن ينتحلك قلبه.